العمارة، ملكية جماعية وليست ترفاً🏠
عند التأمل في المشهد العمراني للمدن الجزائرية، يبرز أمامنا واقع مقلق: بنايات غير مكتملة، واجهات إسمنتية خام، أحياء تفتقر إلى الانسجام الجمالي والوظيفي. هذا الواقع لا يعكس فقط فوضى في التنفيذ، بل يُعبّر عن أزمة أعمق تتعلق بانفصال بين فعل البناء والوعي المعماري.
لقد أُختزلت العمارة، في نظر الكثيرين، إلى مجرد رخصة بناء، رسم تقني، أو إجراء إداري شكلي، بينما هي في جوهرها ممارسة إنسانية تعكس رؤية مجتمع بكامله لنفسه، لبيئته، ولتاريخه. فالعمارة ليست مجرد بناء جدران، بل هي صياغة لمساحات نعيش فيها، نتفاعل معها، ونعبّر من خلالها عن هويتنا الجماعية.
دور المعماري: من الشريك إلى الموقّع👷♂️
في السياق الجزائري، كثيراً ما يُستبعد المعماري من المراحل الأولى للمشروع، ويُستدعى فقط لاستكمال ملف رخصة البناء. وغالباً ما يتم تصميم المخططات من طرف غير المختصين، بدافع تقليل التكاليف.
غير أن رسم المخطط المعماري ليس عملية شكلية، بل هو المرحلة التأسيسية لأي مشروع عمراني. من خلاله تُحدد علاقة المبنى بالضوء، بالتهوية، بالمناخ، بالمحيط، وبالخصوصيات المعيشية للساكن. المعماري ليس مزخرفاً، بل هو مفكّر في الفضاء، ومترجم لاحتياجات الفرد والمجتمع إلى لغة مكانية.
.تهميش هذا الدور ينعكس سلباً على جودة البيئة المبنية، ويفوّت على المجتمع فرصة إنتاج فضاءات قابلة للعيش ومتصالحة مع السياق.
الرهان على الرخيص… خسارة مؤجلة💸
في العديد من المشاريع، تكون الأولوية هي السرعة والتكلفة المنخفضة لكن هذا المنطق يؤدي في الغالب إلى أخطاء متكررة : غرف مظلمة، حركة داخلية صعبة، مشاكل في الرطوبة، انعدام الراحة الحرارية، وهدر في المساحات… وغالباً ما تكون النتيجة أعمال ترميم مُكلفة. في الواقع، الاستعانة بمهندس معماري منذ البداية هو وسيلة لتفادي هذه المشاكل قبل أن تظهر. فهو استثمار في جودة الحياة، وتوفير في التكاليف على المدى الطويل، وحفاظ على قيمة العقار. كما أنه يضمن مشروعاً منسجماً، مُصمماً حسب الاحتياجات، ومندمجاً بشكل جيد في بيئته.
البناء… هو حكاية عن الذات🧱
المنزل ليس مجرد مأوى. إنه امتداد للذات في الفضاء. يعكس أسلوب حياة وطريقة وجود في هذا العالم. ما نبنيه يقول الكثير عنا — حتى وإن لم نكن نعي ذلك دائماً. عندما نبني دون وعي، نترك هذه الرسالة تضيع في الفوضى البصرية. ومع مرور الوقت، تتحوّل مدننا إلى أماكن بلا حوار، تتعب فيها العين، ويغيب عنها الإحساس بالانتماء.
العمارة كمرآة للهوية الجزائرية🏛️
الجزائر بلد يزخر بالتنوع الثقافي والجغرافي والمناخي. ومع ذلك، نلاحظ غياب هذا الغنى عن الكثير من المشاريع العمرانية المعاصرة، التي تستنسخ نماذج مستوردة لا تنسجم مع الخصوصية المحلية.
الهوية المعمارية الجزائرية ليست قيداً، بل هي مورد إبداعي يُمكن من خلاله إنتاج عمارة معاصرة تنهل من التراث، وتستجيب لمتطلبات العصر، دون الوقوع في التقليد أو الابتذال. إنها دعوة لإعادة التفكير في معنى « الحداثة » من داخل السياق، لا من خارجه.
نحو ثقافة معمارية جماعية🌱
من الضروري أن يتحول الوعي المعماري إلى قضية مجتمعية. يجب أن يُدرّس في المدارس، ويُناقش في وسائل الإعلام، ويُحتفى به في الفضاء العمومي. كما ينبغي إعادة الاعتبار للمعماري كمثقف فاعل، وليس كمجرد موظف إداري.
كل فرد في المجتمع، سواء كان مواطناً، أو طالباً، أو فاعلاً محلياً، له دور في إعادة تشكيل علاقة الناس بالعمارة، ليس فقط كمادة مبنية، بل كقيمة ثقافية وإنسانية.
🧡 الخاتمة – لنبنِ بفخر ووعي
كل بناية نُشيّدها، وكل حي نُخطّطه، هو سطر يُضاف إلى السردية المعمارية للجزائر. إما أن نكتبه بتسرّع وإهمال، أو نخطّه باعتزاز ومسؤولية . العمارة ليست ترفاً للنخبة، بل حق جماعي ومسؤولية حضارية. وهي تستحق منا أن نُعيد ربطها بما هو أعمق من الطوب والإسمنت: بالوعي، بالهوية، وبمستقبل الأجيال.
ليست العمارة ترفاً، بل هي حقّ، ومِلْكٌ مشترك، وتستحق منّا كلّ الاهتمام.


Laisser un commentaire